القاضي التنوخي
76
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
54 الصوفي المتوكل وجام فالوذج حار حدّثني محمد بن هلال « 1 » بن عبد اللَّه ، قال : حدّثنا القاضي أحمد بن سيّار ، قال : حدّثني رجل من الصوفيّة ، قال : كنت أصحب شيخا من الصوفية ، أنا وجماعة في سفر ، فحدّثني حديث التوكَّل ، والأرزاق ، وضعف النفس فيهما ، وقوّتها . فقال ذلك الشيخ : عليّ وعليّ ، لا ذقت مأكولا ، أو يبعث إليّ بجامة فالوذج حار ، ولا آكل إلَّا بعد أن يحلف عليّ . قال : وكنّا نمشي في الصحراء . فقالت له الجماعة : الآخر « 2 » جاهل . ومشى ومشينا ، وانتهينا إلى قرية ، ومضى عليه يومان ، وليلتان ، لم يطعم فيهن شيئا . ففارقته الجماعة ، غيري ، فإنّه طرح نفسه في مسجد القرية ، مستسلما للموت ضعفا ، فأقمت عليه . فلما كان في ليلة اليوم الرابع ، وقد انتصف الليل ، وكاد أن يتلف الشيخ ، فإذا بباب المسجد قد فتح ، وإذا جارية سوداء ، ومعها طبق مغطَّى . فلما رأتنا [ 61 ] ، قالت : أنتم غرباء ، أو من أهل القرية ؟ فقلنا : غرباء .
--> « 1 » في الأصل : هليل ، وقد لاحظت أن اسم هلال ، قد كتب بالياء : هليل ، في جميع المواضع التي ورد فيها من النشوار ، ولعل ذلك لأن البغداديين في ذلك العهد ، كانوا يلفظون الكلمة بالإمالة ، ويكتبونها كما يلفظونها . « 2 » الآخر ، والأخير ، والأبعد ، والبعيد : اصطلاح بغدادي يقوله المتحدث إذا أراد ذم شخص غائب ، كي لا يواجه المخاطب بكلمات الذم ، وفي معجم الأدباء 5 / 239 تفسير آخر .